حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
164
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
حاله من النفاق ولم يظهر أمره حتى لا يصل من أغراض الخداع إلى ما وصل ؟ وأرد على استبقاء الكفار وسائر أعداء الدين ، بل على استبقاء إبليس وذريته وتنحل العقدة في الجميع بما سلف لنا من الحقائق ولا سيما في تفسير قوله تعالى خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ [ البقرة : 7 ] وقراءة من قرأ وما يخادعون إلا أنفسهم [ البقرة : 9 ] أي وما يعاملون تلك المعاملة المضاهية لمعاملة المخادعين إلا أنفسهم ، لأن مكرها يحيق بهم ودائرتها تدور عليهم لأن اللّه تعالى يدفع ضرر الخداع عن المؤمنين ويصرفه إليهم كقوله إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ [ النساء : 142 ] ويحتمل أن يراد حقيقة المخادعة لأنهم يخدعون أنفسهم حيث يمنونها الأباطيل ، وأنفسهم أيضا تمنيهم وتحدثهم بالأكاذيب . وأن يراد « وما يخدعون » فجيء به على لفظ يفاعلون للمبالغة . والنفس ذات الشيء وحقيقته ولا يختص بالأجسام لقوله تعالى تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي [ المائدة : 116 ] والشعور علم الشيء علم حس ومشاعر الإنسان حواسه . والمعنى أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس ، وهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حس له . والمرض حالة توجب وقوع الخلل في الأفعال الصادرة عن موضوعها ، واستعمال المرض في القلب يجوز أن يكون حقيقة بأن يراد الألم كما تقول : في جوفه مرض . ومجازا بأن يستعار لبعض أعراض القلب كسوء الاعتقاد والغل والحسد والميل إلى المعاصي ، فإن صدورهم كانت تغلي على الرسول صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين غلا وحنقا وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ [ آل عمران : 119 ] وناهيك بما كان من ابن أبي ، وقول سعد بن عبادة لرسول صلى اللّه عليه وسلم اعف عنه يا رسول اللّه واصفح ، فو اللّه لقد أعطاك اللّه الذي أعطاك ، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يعصبوه بالعصابة - وذلك شيء منظوم بالجواهر شبه التاج - أي يجعلوه ملكا ، فلما رد اللّه ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك . أو يراد ما يداخل قلوبهم من الضعف والخور لأنهم كانوا يطمعون أن ريح الإسلام تهب حينا ثم تركد ، فكانت تقوى قلوبهم بذلك الطمع . فلما شاهدوا شوكة المسلمين وإعلاء كلمة الحق وما قذف اللّه في قلوبهم من الرعب ضعفت جبنا وخورا . ومعنى زيادة اللّه إياهم مرضا أنه كلما أنزل على رسوله الوحي فكفروا به ازدادوا كفرا إلى كفرهم ، فأسند الفعل إلى المسبب له كما أسند إلى السورة في قوله فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [ التوبة : 125 ] وهذا كما قال الحكيم : البدن الغير النقي كلما فدوته زدته شرا . وكلما زاد رسوله نصرة وتبسطا ازدادوا حسدا وبغضا . ويحتمل أن يراد بزيادة المرض الطبع ، ويحتمل أن يقال : الغل والحسد قد يفضي إلى تغير مزاج القلب ويؤدي إلى تلف صاحبه كقوله :